الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

43

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والتنوين فيه للتكثير ، والوصف باسم المصدر للمبالغة وهو بمعنى المفعول ، أي محسوبا مقدرا بحسب أعمالهم ، وهذا مقابل ما وقع في جزاء الطاغين من قوله جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 26 ] . وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] وقوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ البقرة [ 261 ] . وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعيّن ، فذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فلا تعارض بين الآيتين . ويجوز أن يكون حِساباً اسم مصدر أحسبه ، إذا أعطاه ما كفاه ، فهو بمعنى إحسابا ، فإن الكفاية يطلق عليها حسب بسكون السين فإنه إذا أعطاه ما كفاه قال : حسبي . [ 37 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 37 ] رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 ) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع رب ورفع الرحمن ، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بخفضهما ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف بخفض رَبِّ ورفع الرحمن ، فأما قراءة رفع الاسمين ف رب خبر مبتدأ محذوف هو ضمير يعود على قوله : مِنْ رَبِّكَ [ النبأ : 36 ] على طريقة حذف المسند إليه حذفا سماه السكاكي حذفا لاتباع الاستعمال الوارد على تركه ، أي في المقام الذي يجري استعمال البلغاء فيه على حذف المسند إليه ، وذلك إذا جرى في الكلام وصف ونحوه لموصوف ثم ورد ما يصلح أن يكون خبرا عنه أو أن يكون نعتا له فيختار المتكلم أن يجعله خبرا لا نعتا ، فيقدر ضمير المنعوت ويأتي بخبر عنه وهو ما يسمى بالنعت المقطوع . والمعنى : إن ربك هو ربهم لأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ولكن المشركين عبدوا غيره جهلا وكفرا لنعمته . والرحمن خبر ثان . وأما قراءة جر الاسمين فهي جارية على أن رَبِّ السَّماواتِ نعت ل رَبِّكَ من قوله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ [ النبأ : 36 ] و الرَّحْمنِ نعت ثان .